loader

من فكروا في إعلان موت «التيكي تاكا» بأساسها التكتيكي الذي يقوم على الاستحواذ الإيجابي والضغط الخانق والعالي، فعلوا ذلك هروباً من السوط الذي يلتف حول رقابهم ويشبعهم ضرباً وإذلالاً، لقد بحثوا عن النقيض في هذه «التيكي تاكا» لإشهار فنائها وزوالها؛ لذلك لم يبدعوا منظومة تكتيكية بديلة، ولكنهم حفروا وسط الجبال الصلدة ثغرة ليتنفسوا منها، هذا ما فعله مدربون كثر صادفوا في طريقهم مبدع هذه «التيكي تاكا» الإسباني بيب جوارديولا، لقد أبدعوا شكلاً تمردياً أكثر مما أبدعوا نسقاً فنياً يتجاوب مع نظرية التغيير التي تقوم عليها وحدة وصراع الأضداد.
كل ما فعله الداهية مورينيو وهو مدرب لريال مدريد في زمن هيمنة برشلونة وهي ترتدي جلباب «التيكي تاكا» كمنظومة يافعة وطافحة بالنبوغ والابتكار، أنه نصب الجواسيس في كل المعابر وحفر الخنادق على طول وعرض الملعب وجلب، عنوة، الحظ إلى جانبه، لعله يفلح في وقف الإعصار، وللأمانة فقد نجح في ذلك مرة ومرتين، ودل غيره من المدربين على الطريقة التي تجعل هذه «التيكي تاكا» تختنق فيها الشرايين والأوردة، إلا أن ذلك لم يؤسس لنهج بديل يعلن رسمياً فناء «التيكي تاكا»، إلى أن جاء الألماني يروجن كلوب الذي أعطانا من خلال فريقه الأول بروسيا دورتموند، ومن خلال ليفربول، الملمح الأول لهذا النهج التكتيكي البديل.
بالطبع، لا يمكن لكرة القدم اليوم أن تعطينا منظومة لعب لا تقوم على الاستحواذ أو على الضغط العالي أو على القدرة الرهيبة على تنويع الأداء، بوضع المهارات الخارقة للاعبين في بوتقة تكتيكية تصطفي الجميل منها، لذلك فإن في النهج التكتيكي ليورجن كلوب الذي يجسده بشكل رائع نجوم «الليفر» على أرضية الملعب، مهما اختلفت هويات المنافسين، ما يضعنا أمام كل الثوابت الفنية والتوابل التكتيكية لكرة القدم اليوم، فليفربول لا يستحوذ لاعبوه سلبياً على الكرة، ولا يعطون الانطباع بأنهم سينصبون خياماً في دفاعات الخصوم، وإن حركوا «البلوك»، حركوه بحساب دقيق للمساحات، فلا يكشفون أبداً ظهورهم، ولا يعرون بسذاجة دفاعاتهم.
العصي على الفهم والإدراك، والمستحيل السيطرة عليه، هو المتواليات الفنية التي يلجأ لها لاعبو ليفربول، خلال زمن المباراة، في انتقالهم بأريحية كبيرة من الحالة الدفاعية للحالة الهجومية، وإن كان لابد من الضغط عالياً، فإن ذلك يتم وفق حركية جماعية مدروسة بدقة، وإن كان لابد أن يحتكروا الكرة، فإن الاحتكار له غاية يجب الوصول إليها سريعاً، هي تسجيل الأهداف.
ليفربول الذي يمنحنا العبقري يورجن كلوب، من خلاله ابتكاره التكتيكي، هو مجسم كبير لهذا الضد الجميل الذي خرج من وعاء «التيكي تاكا»، ليضمن سيرورة الخلق والجمال في كرة قدم هي شلال الإبداع المنهمر.

اخترنا لك