loader

عمرو عبيد (القاهرة)

بين حين وآخر، وفي كل حقبة زمنية، يطفو على سطح أحداث الكرة العالمية، أسئلة مثيرة، حول إمكانية نجاح كل مدير فني سبق له ممارسة كرة القدم في مهمته التدريبية، وهل يخضع له المجد طواعية أثناء مسيرته التدريبية؟ كما كان لاعباً أسطورياً في زمن سابق، أم أن اللعبة تضرب بتاريخ اللاعب عرض الحائط، وتمنح البطولات لصاحب العقل اللامع، حتى لو كان سابقاً مجرد لاعب مغمور ؟
المؤكد أن كرة القدم لا تخضع لمقاييس ثابتة، فهناك بطولات للدوري يتصدرها مدرب، كان لاعباً متميزاً، وهناك مسابقات تخضع حالياً لسيطرة من لم يلمس الكرة من قبل، أو يحمل تاريخه في اللعب سطوراً قليلة للغاية، لكن الأمر يبدو محيراً بين هذا وذاك، وعلى سبيل المثال، يسير ريال مدريد في الموسم الحالي بصورة طيبة، في ظل قيادة الأسطوري الفرنسي، زين الدين زيدان، الذي كان لاعباً فذاً، واستطاع أن يخطو خطوات تدريبية عملاقة مع «الملكي» خلال سنوات قليلة جداً، كان آخرها استعادة كأس السوبر الإسبانية، بنظامها الحديث، بعد غياب طال لمدة 3 سنوات، وفي ظل تعثر غريمه الأزلي، برشلونة، قد ينجح «زيزو» في إعادة لقب الدوري إلى خزائن الريال بعد 3 مواسم أيضاً، وفي المقابل، مازال «البارسا» يبحث عن هويته المفقودة، منذ عهد فالفيردي، مروراً بحقبة سيتين الحالية، وكلاهما لم يكن لاعباً خارقاً للعادة، إذ لم يحقق الأخير سوى لقب للسوبر المحلي مع أتلتيكو مدريد في عام 1985، بينما حصد المدرب السابق لقب أوروبي وآخر في الكأس الإسبانية، عندما كان لاعباً في صفوف البلوجرانا، من دون بصمة تاريخية مؤثرة، مقارنة بما فعله اللاعبان المتميزان السابقان، العبقري «جوارديولا»، ثم الرائع «إنريكي»!
والمثير في الأمر، أن المدربين، أصحاب صدارة الترتيب، في بطولات الدوري الأوروبية الكبرى، ينتمون إلى فئة اللاعب العادي، أو المغمور، والمثال الأبرز حالياً، هو ملك الضغط المضاد، يورجن كلوب، الذي يواصل التحليق بقمة «البريميرليج» مع ليفربول، بينما لا يحمل تاريخه كلاعب، سوى اسم فريق «ماينز» الألماني، كأشهر فريق لعب له كلوب، قبل أن يتولى تدريبه قبيل اعتزاله، ولم يحصد المدرب الألماني أي بطولة أثناء لعبه الكرة، لكنه صنع اسماً لامعاً في عالم التدريب، مع بروسيا دورتموند، قبل أن يتوهج حالياً مع «الريدز»، مبتكراً تكتيكه الخاص، الذي يضعه في مصاف كبار المدربين عبر التاريخ.
وفي إيطاليا، يتفوق ماوريسيو ساري حالياً مع «السيدة العجوز»، على حساب «أفاعي» أنطونيو كونتي، برغم أن الأخير كان أحد أفراد الجيل الذهبي للبيانكونيري في حقبة التسعينيات، وحصد معه 13 لقباً، منها بطولتان في أوروبا، كما لعب دولياً مع «الآزوري» لمدة 6 سنوات، حلّ خلالها مع منتخب بلاده وصيفاً في مونديال 1994 و يورو 2000، لكن على الجانب الآخر، لم يلعب ساري كمحترف على الإطلاق، بل ظل هاوياً مع فريق إحدى المقاطعات الإيطالية المغمورة، واعتزل سريعاً بسبب الإصابات، ولم يُعرف ساري إلا بعدما أثبت قدراته الفنية مع نابولي منذ سنوات قليلة، برغم أنه تولي تدريب 17 فريقاً قبلها!
ويشهد «البوندسليجا» حالياً تطوراً واضحاً في صراع المنافسة على القمة، يتصدره مفاجأة السنوات الماضية، فريق لايبزج، الذي يقوده «المدرب الطفل» كما يُطلق عليه في ألمانيا، جوليان ناجلسمان، الذي اعتزل لعب الكرة في عمر الـ 20، ولم يُحقق أي نجاح يذكر كلاعب في تلك المرحلة العمرية الصغيرة، لكن صاحب الـ 23 عاماً، صنع معجزة كروية حقيقية مع فريقه السابق، هوفنهايم، عندما قاده للعب في دوري أبطال أوروبا في الموسم الماضي، وبات أصغر مدرب في تاريخ البطولة القارية، مثلما كان أصغر مدرباً في تاريخ الدوري الألماني، الذي توّج فيه بلقب الأفضل في موسم 2016/‏‏‏2017، وها هو يقود الثيران الحمراء إلى القمة الألمانية، على حساب الكبيرين، بايرن ودورتموند.
الوضع لم يختلف في بقية البطولات الأوروبية، حيث يتصدر باريس سان جيرمان الدوري الفرنسي، بقيادة مدرب اعتزل اللعب في الخامسة والعشرين من عمره، بسبب إصابات الركبة المزمنة، والحقيقة أن توماس توخيل لم يلعب لأي فريق كبير في القارة العجوز، ولا يحمل أي إنجازات أو تأثير كبير كلاعب، وبرغم أن إريك تن هاج يعتبر أحد أفضل المدربين الهولنديين في الحقبة الحالية، خاصة بعد الإبهار الذي قدمه في النسخة السابقة من «تشامبيونزليج» مع أياكس، لدرجة دفعت البعض للمطالبة بوجوده على رأس الجهاز الفني لفريق برشلونة، فإن تن هاج لم يكن لاعباً لامعاً، واكتفى بالمشاركة مع فرق هولندية مغمورة، وحقق بطولة كأس هولندا مرة واحدة مع فريق «تفينتي»، وفي أقصى جنوب أوروبا، يقدم برونو لاج مثالاً مشابهاً، حيث يتصدر الدوري البرتغالي مع بنفيكا، في حين أنه لم يلعب كرة القدم على المستوى الاحترافي على الإطلاق، بل إنه بدأ مسيرته التدريبية في عمر الـ 21 !

الدوريات العربية تسير على الدرب
يسير الوضع في الدوريات العربية على ذات النسق، باستثناء دورينا، الذي يتصدره شباب الفرسان بقيادة الأرجنتيني أروابارينا، الذي لعب مباريات دولية مع «الألبيسيليستي»، كما حقق عدة بطولات مع بوكا جونيورز، بجانب مشاركته في صفوف فياريال الإسباني لـ 7 سنوات، وكذلك الصراع المتقارب في الدوري الجزائري، بين الفرنسيين، فرانك دوما، مدرب شباب بلوزداد، الذي لعب لفرق موناكو ونيوكاسل ومارسيليا، في مواجهة مواطنه، بيرنار كازوني، المدير الفني لمولودية الجزائر، الذي سبق له الفوز بلقب دوري أبطال أوروبا مع مارسيليا، بجانب مشاركته الدولية مع منتخب بلاده. أما في الدوري المصري، فيتصدر الأهلي الترتيب بفارق كبير عن أقرب منافسيه، بفضل مدربه السويسري، رينيه فايلر، الذي لم يلعب لأي فريق خارج بلاده، ولم يحقق أي بطولة أثناء فترة لعبه، لكنه حقق كمدرب بطولتين محليتين مع أندرلخت البلجيكي، قبل أن يبدأ مهمته مع الأهلي بلقب السوبر المصري، ويتصارع النصر والهلال على لقب الدوري السعودي، تحت قيادة البرتغالي روي فيتوريا، والروماني رازفان لوشيسكو، اللذين لم يحققا الكثير أثناء فترة لعبهما. وفي تونس، يحتل الترجي القمة مع مدربه، معين الشعباني، صاحب تاريخ عادي كلاعب، بينما يتصدر الوداد الدوري المغربي هناك، مع الفرنسي ديسابر، الذي لم يلعب الكرة كمحترف، وبدأ مسيرته التدريبية في الـ 28، لكن يلاحقه فريق نهضة بركان، بقيادة اللاعب المغربي الدولي السابق، طارق السكتيوي بطل الدوري البرتغالي 3 مرات متتالية مع بورتو لاعباً.