loader

شاحبة وحزينة وموشحة بالسواد، تلك الصورة التي تصدرها عن نفسها كرة القدم، فالرياضة التي كانت صانعة للفرجة، تضج بالحركة، وتنضح بالإبداع يسودها اليوم سكون غريب، صمت أشبه بصمت القبور، فقد صدر حكم من جائحة «كورونا»، يقضي بإخلاء الملاعب وإسدال الستار على المباريات وإدخال كل صناع الفرجة إلى جحورهم الصحية!
والأكثر من هذا الألم الذي يخترق من اختلطت كرة القدم بدمه وأنفاسه، أن انهياراً يحدث بداخل كل المؤسسات الكروية، فالأسهم تتهاوى والمؤسسة المالية لكرة القدم تشهد انهياراً غير مسبوق، ولا أحد يعلم ما إذا كانت لكرة القدم القدرة على وقف الانهيار.
قتامة هذه الصورة عبّر عنها الإيطالي كارلو أنشيلوتي الذي يروق لي أن أسميه بالمدرب الكيميائي، في حوار له مع صحيفة «كورييري ديلو سبورت» الإيطالية، عندما قال إن كرة القدم تدخل المجهول، بل إنها تعيش على حافة ثورة ستقلب كل الموازين، ولربما ستعود بها إلى الصفوف الخلفية.
والحقيقة أن ما قصده كارلو بهذا التوصيف المعتم، هو صناعة كرة القدم التي فضحت جائحة كورونا جهازها المناعي، وحطمت جداراتها الواقية الهشة، ولربما عاقبتها أشد ما يكون العقاب على الجنون الذي ركبها في تصميم الانتدابات، لأن كرة القدم كفلسفة وكنمط حياة وكأسلوب إبداعي، لا يمكن أن تنهار أمام جائحة أوصدت الملاعب لردح من الزمن، وعلى ذلك يقيم تاريخ كرة القدم الحديث قبل القديم العديد من الحجج، ربما أقربها للذاكرة ما عاشته إسبانيا سنة 2008، فقد كان البلد الإيبيري تحت وطأة أزمة اقتصادية مرعبة دمرت النسيج التجاري، وخفضت كثيراً الناتج القومي، ورفعت نسبة البطالة لمستويات قياسية وحكمت على العديد من الإمبراطوريات الاقتصادية بالانهيار، وكان من تداعيات تلك الأزمة الاقتصادية أن 15 نادياً إسبانياً شارفت على الإفلاس، بل إن من هذه الأندية من شرع في تطبيق مسطرة التصفية.
في عز هذه الأزمة الاقتصادية ستنطلق من إسبانيا المفلسة، ثورة ستعيد اختراع كرة القدم. قدمت إسبانيا للعالم فلسفة «التيكي تاكا» التي ستصبح ملهمة المدربين في العالم كله، وفي العشر سنوات التي تلت 2008، ستفوز إسبانيا بمنتخباتها وبأنديتها بـ20 لقباً عالمياً وأوروبياً. كرة القدم هذه التي تقوى على الانبعاث من جديد تسند رأسها لحكمة جميلة تقول، إنه عندما تفرغ الأسواق من الأسهم تمتلئ الرؤوس بالأفكار. فمن ينسى أن معجزة كروية خرجت من المجر وصربيا إبان الحرب الباردة، ومن ينسى أن هولندا أهدت العالم الكرة الشاملة في ذروة حرب النفط.
كرة القدم في أزمة، هي كرة القدم التي تحتاج إلى المزيد من الفرجة، إلى ما يولد القدرة على إنتاج أفكار جديدة لإسقاط الفوانيس القديمة ومواصلة إبهار العالم.

اخترنا لك