(2-3)

رضا سليم، مراد المصري (دبي) 

تقف الرياضة العربية على أطلال تاريخ ضائع، وإرث مهمل، وإنجازات توارت في «سلة المهملات»، أو في «دواليب» أشخاص احتفظوا بها من دون يقدروا قيمتها، لنجد في نهاية المطاف، أن المتاحف الرياضية في الوطن العربي، ليست موجودة في أغلب دولنا، في ظل غياب ثقافة الاحتفاظ بالإرث الرياضي وإهمال المسؤولين، وربما يكون البعض قد استفاق من الغيبوبة، وطرح فكرة إقامة متحف أولمبي، وقد تنتظر الفكرة لسنوات طويلة، كي تخرج إلى حيز التنفيذ، من دون مراعاة أن المتاحف، هي ذاكرة الشعوب، وحلقة وصل بين الماضي والحاضر.
وهو عكس ما يحدث في كل أنحاء العالم، خاصة أوروبا التي تكتظ بالمتاحف الأولمبية، حيث صنعت التاريخ باهتمامها، في حين أن العرب الذين سبقوا العالم أصبحوا بلا تاريخ ولا إرث للأجيال.

تحول تاريخنا الرياضي إلى محاولات فردية من أشخاص، حاولوا جمع التراث والتاريخ والميداليات والشهادات، وأنشأوا متاحف صغيرة خاصة بهم، ولم ينتبه المسؤولون عن الرياضة العربية أن يوم 18 مايو، وهو الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف، والذي حدده المجلس الدولي للمتاحف «الأيكوم» عام 1977، بهدف زيادة الوعي بأهمية المتاحف في تطوير المجتمعات، بوصفها «الذاكرة الحية» للشعوب.ويصل عدد المتاحف في العالم إلى ما يقرب من 55 ألفاً في كل المجالات، وهناك ما يزيد على 1000 متحف على مستوى الوطن العربي، إلا أن المتاحف التي تعني بالجانب الرياضي غائبة بنسبة كبيرة.وفي كل دولة عربية، نجد أشخاصاً لديهم عشق هواية جمع المقتنيات الرياضية، وحولوها إلى متحف، وبعضهم إلى معرض متنقل في كل المناسبات، وأبرزها متحف حسين البلوشي في الكويت، الذي أصبح الوجهة للرياضة الكويتية، وتم اعتماده مؤخراً ليكون المتحف الرسمي.

اقرأ أيضاً:
100 عام «رياضة عربية».. إنجازات و«عشوائيات» (1-3)
«الاتحاد» تطلق مبادرة «نادي الأولمبيين العرب» (3-3)

  • توقيع «الاتحاد» في متحف تاريخ كرة القدم الإيطالية (من المصدر)
    توقيع «الاتحاد» في متحف تاريخ كرة القدم الإيطالية (من المصدر)

شاهد التاريخ في إيطاليا بـ 9 يورو!
لماذا الرياضة «مختلفة» عند الغرب، هل حقاً نحن لا نمنحها حقها في بلادنا العربية؟، سؤال بدأ الجواب واضحاً منذ لحظة وطأت قدمنا متحف تاريخ كرة القدم الإيطالية في مدينة فلورنسا، حيث توجهنا في زيارة ميدانية للسير وسط التاريخ، لنجد أنفسنا محاطين الأحداث بأدق تفاصيلها، أمور لا نعيرها اهتماماً، بالنسبة لهم مهمة للغاية، تذاكر مباريات خالدة، البدلة التي ارتداها إنزو برزوت في نهائي «مونديال 1982»، الكرة التي حسمت التأهل لإيطاليا إلى نهائيات أمم أوروبية أو كأس عالم، لا شيء مفقود أو غائب، فتاريخ الرياضة جزء من حضارة.

استقبلنا القائمون على المتحف بـ «رحابة صدر»، قمنا بشراء تذكرة بمبلغ 9 يورو، وتركونا نتجول كما نريد، تارة تجذبنا شارة قيادة لنجوم كبار، جيانلويجي بوفون، باولو مالديني، ومعهم شارة القيادة والحذاء الذي خاض به روبرتو باجيو آخر مباراة له بقميص المنتخب عام 2004، وتارة أخرى نلمح سجلات وصور وهدايا تذكارية منذ أكثر من 100 عام ما زالت موجودة على حالتها، منها الزي الذي ارتداه المنتخب الإيطالي في أولمبياد 1928، والقميص الذي ظهر به الحكم بيرلويجي كولينا خلال إدارته نهائي «مونديال 2002»، وحتى قصاصات ورق الصحف اليومية التي تدون الإنجازات البارزة، وغيرها الكثير.
كنا نتوقع أن نجد «كأس العالم» في الواجهة، أو قلب المتحف، لكنه في النهاية لهم مجرد كأس، لأن التاريخ يُكتب بالتفاصيل الصغيرة التي تقودنا إلى رسم اللوحة الكبيرة للانتصار، لذلك عليك النزول في «البهو» تحت الأرض إلى قاعة مؤتمرات صحفية، لتجد الكأس الذهبية خلف إطار زجاجي من دون حراسة، لأنهم يدركون هناك أن مصدر الفخر والإنجازات التاريخية الرياضية، هو ملك للجميع، ولا يمكن أن يستأثر به شخص واحد فقط.

في المتحف الأمر الجميل، كان تخليد ذكرى مشاركة الإمارات ومصر في نهائيات كأس العالم التي استضافتها إيطاليا عام 1990، حيث تجد بكل فخر اسم هاتين الدولتين العربيتين، وسط كل هذا التاريخ الرياضي العريق.
ومن خلال حديثنا مع جيوفاني بيريلي، مسؤول التسويق في المتحف، لمسنا أنه يمكن أن توجد فكرة مماثلة في وطننا العربي، حيث تم إنشاء المتحف عام 2000 فقط، وقال: الفكرة ظهرت عام 1990، إلا أنها احتاجت إلى 10 أعوام للتنفيذ، ليس هدفنا إبراز منتخب إيطاليا على مر التاريخ فحسب، ولكن أن نظهر الأهمية الشاملة للرياضة للمجتمع والأفراد، وكيف أن ما يتحقق هو ملخص حكايات طويلة من التضحية وبذل الجهد، واللحظات التي صنعت جميعها هذه المحصلة من الإنجازات، إن المتحف مفتوح للجميع من الجنسيات كافة وللجماهير، لأننا نؤمن أن الرياضة لغة عالمية يمكن للجميع أن يدركها، العدد الفعلي لما نتملكه من مقتنيات لا يمكن إحصائه بشكل نهائي، لكونه يتزايد بصورة مستمرة مع كل مشاركة وإنجاز يتحقق.

مقتنيات مغربية داخل مقر «الأولمبية»
يقبع المتحف الأولمبي المغربي داخل اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية في مدينة الرباط، وتقوم فكرة المتحف على عرض كل ما يخص الرياضة المغربية قديماً وحديثاً، وإعطاء لمحة عن الإنجازات التي حققها الأبطال الأولمبيون، خلال المشاركة في الدورات الأولمبية والشخصيات الرياضية الوطنية التي أسهمت في انضمام المملكة إلى الحركة الأولمبية الدولية.
ويسرد المتحف، بما يشتمل عليه من محتويات ورمزيات وصور، تاريخ المشاركات الرياضية للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل والدورات الأولمبية، كما يزخر المتحف بالعديد من الميداليات منها الميداليتان الأولمبيتان، لكل من سعيد عويطة ونوال المتوكل، في دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 1984، والبدل الرياضية والتذكارات والدروع والهدايا المختلفة، والتي تعود إلى المشاركات السابقة للرياضيين، في مختلف الأنواع الرياضية، كما تتضمن أروقة المتحف معرضاً للصور تؤرخ للمشاركات المغربية في دورات الألعاب الأولمبية.

ويوجد معرض لصور الأبطال وأزياء الوفود المغربية الموحدة منذ أولمبياد 1984 ومجموعة من الطوابع المخصصة للألعاب منذ 1960، تم تحريرها خصيصاً بوساطة البريد، ومراسلات ووثائق رسمية تعود لإنشاء اللجنة الوطنية الأولمبية، ولعل من أبرزها البرقية التي تم إرسالها إلى اللجنة الأولمبية الدولية لطلب المغرب بالانضمام إليها.
ويضم المتحف، شرائط مصورة لأقوى اللحظات التي طبعت المشاركة المغربية في الألعاب الأولمبية منذ دورة روما 1960 حيث نال العداء عبد السلام الراضي أول ميدالية وكانت فضية مسابقة الماراثون.

العراق في «مقبرة بابا»!
انتظرت الجماهير العراقية سنوات طويلة لإنشاء متحف رياضي، إلى أن جاء عدنان درجال وزير الرياضة الحالي، والذي قرر إعادة إعمار وتأهيل قبر شيخ المدربين الراحل عمو بابا، وتحويله إلى متحف قرب ملعب الشعب الدولي أحد أقدم الملاعب العراقية، ونصب تذكاري لأبطال آسيا 2007، وهو المتحف الذي تم تنفيذه بناء على توصية الراحل عمو بابا.

ولا يزال المتحف تحت الإنشاء، ولم يخرج للنور، ولم يتحدد موعد افتتاحه حتى الآن، حيث ينتظر اللمسات الأخيرة، وتتجه النية لتحويله متحفاً يضم المقتنيات والإنجازات وليست كرة القدم فقط، وسيكون في مقدمة المتحف بعد افتتاحه جوائز وكؤوس عمو بابا، بجانب أرشيف كبير للرياضة العراقية، سواء من اللجنة الأولمبية والاتحادات الرياضية، وتقوم الوزارة بجهود كبيرة، من أجل جمع التاريخ الرياضي، سواء من أشخاص أو دوائر ومؤسسات رياضية وشخصيات رياضية وإعلامية وغيرهم، ليكون في مكان واحد داخل متحف عمو بابا في بغداد.

«توني الأقدم» في «قاعة مغلقة»!
رغم تاريخه الطويل وما يحتويه من وثائق تاريخية، إلا أن كثيرين في مصر يجهلون مكان المتحف الأولمبي بالقاهرة، الذي يقع في الدور الثاني من مبنى اللجنة الأولمبية، وهو عبارة عن قاعة، وليس مبنى منفصل، إلا أنه يعد من أقدم المتاحف في الشرق الأوسط، وثاني أقدم متحف أولمبي على مستوى العالم، حيث أنشئ عام 1960، على يد المهندس أحمد الدمرداش توني، رائد الرياضة المصرية والعربية، عضو اللجنة الأولمبية الدولية ومؤسس دورات ألعاب البحر المتوسط، لذا يطلق عليه أيضاً «متحف توني الأولمبي».
خلال زيارتنا للمتحف اكتشفنا أنه ليس مفتوحاً أمام الجمهور، إلا أنه من الممكن زيارة المدارس والجامعات بطلب مسبق بشرط ألا تزيد الزيارة عن ساعة واحدة.

سبق وأن فازت اللجنة الأولمبية المصرية بجائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للإبداع الرياضي لسنة 2010.
بداية تأسيسه داخل مبنى استاد القاهرة الدولي، وفي عام 1993 تم نقله إلى مبنى اللجنة الأولمبية المصرية، قبل إعادة افتتاحه عام 1994، وبعدها توسعته مرتين عامي 2007 و2009، إلا أن المتحف يبحث عن «مبنى منفصل»، يكون واجهة للزائرين وعشاق التاريخ.
يعرض المتحف كل ما يخص الرياضة المصرية قديماً وحديثاً، ويضم المتحف ركناً للرياضة عند قدماء المصريين، ويعرض هذا القسم الرسوم والنقوش الفرعونية الموجودة على جدران المعابد والمقابر، التي تدل على أن «الفراعنة» اهتموا بالألعاب الرياضية ومارسوها منذ آلاف السنين، مثل المصارعة والملاكمة ورفع الأثقال والجمباز والقوس والسهم والمبارزة والفروسية والعدو.

وهناك «ركن» اللجنة الأولمبية الدولية، الذي يعرض صور رؤساء اللجنة الأولمبية الدولية منذ عام 1896. ويعرض «ركن» اللجنة الأولمبية المصرية، تاريخ اللجنة التي أسسها أنجلو بولاناكي عام 1910، برئاسة الأمير عمر طوسون، مما يجعلها من أقدم اللجان الأولمبية على مستوى العالم. 

البلوشي: العمر وحده لا يكفي! 
يجمع متحف حسين البلوشي الرياضي بالكويت عدداً كبيراً من المقتنيات للرياضة العربية، وصوراً نادرة من التاريخ، عالمية، آسيوية، عربية، خليجية وكويتية.
ويملك البلوشي في متحفه نحو 10 آلاف قطعة، معظمها من المقتنيات النادرة ومنها على سبيل المثال، كرة أول كأس عالم لكرة القدم، والتي استضافتها أوروجواي عام 1930، وأول صافرة أولمبية «هدسون» من عام 1916، أول قميص رسمي لمنتخب الكويت خاض به أول تصفيات المونديال عام 1973، قميص نجم «الأزرق» فيصل الدخيل في مونديال إسبانيا 1982، أول قميص دافع به جاسم يعقوب عن ألوان القادسية عام 1970، وأول درع للدوري الكويتي في عام 1951، وغيرها.

وأكد حسين البلوشي مؤسس المتحف الكروي في الكويت، أن المتحف في طريقه للظهور بشكل مختلف، بعد توقيع العقد مع المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب في أبريل الماضي، وننتظر إقرار الميزانية 2022، من أجل ترميم المتحف في منطقة الرميثية، ويحتاج إلى 5 أشهر، وثم نقل المقتنيات للمتحف والانتهاء من التصميم من الداخل والخارجي ومساحته حوالي 600 متر، وسيكون هناك 100 شخصية تاريخية في المتحف بجانب الصور والميداليات.
أضاف أن المردود المالي يمثل الصعوبة الأولى في عملية بناء وإنشاء المتحف وجمع المقتنيات، ورغم ذلك المتاحف الخاصة موجود في منطقة الخليج، وهناك أكثر من 700 متحف خاص، والنسبة الأكبر في السعودية، إلا أن الأمر مختلف في شمال أفريقيا وبقية الدول العربية، حيث إن قلة الموارد المالية تعوق جمع التراث الرياضي، ولا توجد متاحف، وهناك الكثير من المقتنيات القديمة ولكنها مهملة.

«الألعاب العربية» في «بيت المهيري»
يعد محمد المهيري أحد المواطنين العاشقين لجمع المقتنيات الرياضية، حيث يطوف المعارض داخل الدولة، ليعرض المقتنيات التي جمعها على مدار سنوات طويلة، بين كؤوس وميداليات وتذكارات عالمية وعربية ومحلية، بالإضافة إلى قمصان وأعلام أندية منتخبات عالمية، والتي يحتفظ بها في بيته، حيث خصص مكانا لها، ويحوي متحفه أقساماً عدة منها للمنتخبات الوطنية والأندية المحلية وآخر المقتنيات العربية وقسم للدولي. 
وأكد المهيري أن المقتنيات التي يملكها جمعها بطرق مختلفة، سواء من خلال المزادات العالمية، أو من خلال العلاقات مع اللاعبين والأندية، وحضور الأحداث الرياضية، والأمر ليس مرتبطاً بكرة القدم فقط، بل أيضاً لدى مقتنيات لكل الألعاب، أبرزها ميدالية دورة الألعاب العربية الأولى بالإسكندرية عام 1953.

وأضاف: المتحف يضم الميدالية الذهبية التي حصل عليها منتخب الإمارات في كأس الخليج لكرة القدم في أبوظبي، والميدالية الفضية لمنتخب الإمارات، بعد حصوله على «وصافة» آسيا 1996، وتمائم بطولات كأس الخليج العربي، وكؤوس الأندية الخليجية والعربية، ونهائيات كأس العالم وكأس آسيا، بالإضافة إلى ميداليات وكؤوس خاصة بالألعاب الفردية والجماعية على مستوى آسيا، ونسخة مصغرة للكأس التي استلمها لاعبو الأرجنتين، بعد فوزهم بكأس العالم 1986، وتذكارات عالمية متعددة. 
وقال: أسعى لتوسيع مساحة المعرض بدلاً من البيت، خاصة أن هناك عدداً كبيراً من المقتنيات، ليست معروضة في المتحف الخاص بي، وأدعو المؤسسات لدعمي، من أجل جمع هذه المقتنيات في مكان واحد.

تركي الخليوي: التوثيق «المعادلة الصعبة»
يرى تركي الخليوي رئيس اللجنة السابقة لتوثيق البطولات الرياضية للأندية السعودية، أن عملية توثيق تاريخ الرياضة العربية سهل بالنظر إلى قدرة البشرية على توثيق تاريخ يعود لمئات السنين، إلا أنه في حال محاولة تطبيق المشروع على أرض الواقع، فإنه سيكون مستحيلاً، بسبب الكثير من الإجراءات والتعقيدات التي تواجه تنفيذ هذه الخطوة، وبالتالي التوثيق بمثابة «المعادلة الصعبة». وتمنى الخليوي تطبيق مبادرة عربية لجمع وتوثيق تاريخ الرياضة العربية، لكنه شكك بنجاحها، وقال: في حال تبني مثل هذا المشروع فإنه يستغرق 15 عاماً، وفي النهاية ستكون المخرجات «صفر»، بسبب الفرقة الرياضية العربية، وتشتت الآراء، وصعوبة أن يكون المسؤولون في جميع الدول العربية قاموا بحصر تاريخ الرياضة في بلادهم.